عندما نتحدث عن مخمر الملفوف البنفسجي، فإن الاهتمام به لا يرتبط فقط بكونه من الأطعمة المخمرة، بل أيضًا باحتوائه الطبيعي على مركبات نباتية مثل الأنثوسيانينات والبوليفينولات، وهي مركبات ترتبط بالنشاط المضاد للأكسدة.
ويتميز الملفوف البنفسجي بلونه الأرجواني الغني بالأنثوسيانينات، وهي أصباغ نباتية تمتلك خصائص مضادة للأكسدة في الدراسات المخبرية. وعند دخول الملفوف في عملية التخمير، تحدث تغيرات في تركيب هذه المركبات نتيجة نشاط الكائنات الدقيقة والإنزيمات، مما قد يؤثر في النشاط المضاد للأكسدة.
لكن هل يعني ذلك أن مخمر الملفوف البنفسجي يعمل كمضاد أكسدة داخل الجسم بالطريقة نفسها التي تعمل بها مضادات الأكسدة في المختبر؟ الإجابة تحتاج إلى بعض التفصيل.
ما المقصود بالإجهاد التأكسدي؟
تحدث عمليات الأكسدة بصورة طبيعية داخل الجسم أثناء العمليات الحيوية وإنتاج الطاقة، وينتج عنها جزيئات تفاعلية يستطيع الجسم التعامل معها من خلال أنظمة دفاعية مختلفة.
عندما يزداد إنتاج هذه الجزيئات مقارنة بقدرة الجسم على موازنتها، تظهر حالة تُعرف باسم الإجهاد التأكسدي.
وتساعد بعض المركبات المضادة للأكسدة على الحد من التفاعلات المؤكسدة من خلال التفاعل مع الجزيئات التفاعلية أو إيقاف بعض سلاسل الأكسدة.
ومن المهم عدم اعتبار جميع الجزيئات التفاعلية ضارة؛ فالجسم يحتاج إلى قدر من هذه العمليات، والمهم هو الحفاظ على التوازن.
ما علاقة الملفوف البنفسجي بمضادات الأكسدة؟
اللون البنفسجي المميز للملفوف يرتبط بوجود الأنثوسيانينات، وهي مجموعة من المركبات النباتية التابعة للبوليفينولات.
يحتوي الملفوف البنفسجي على مجموعة متنوعة من الأنثوسيانينات، ومن أبرزها مشتقات السيانيدين، إضافة إلى مركبات فينولية أخرى يمكن أن تساهم في النشاط المضاد للأكسدة.
ولهذا فإن الملفوف البنفسجي يُعد مصدرًا غذائيًا غنيًا بالمركبات النباتية المرتبطة بمقاومة الأكسدة حتى قبل عملية التخمير.
ماذا يحدث لمضادات الأكسدة أثناء التخمير؟
التخمير لا يقتصر على حفظ الملفوف، بل يؤدي إلى تغيرات في تركيبه الكيميائي.
خلال التخمير، يمكن للكائنات الدقيقة أن تساعد في:
- تحرير بعض المركبات الفينولية.
- تحويل بعض المركبات إلى أشكال مختلفة.
- تغيير قابلية بعض المركبات للاستخلاص.
- إنتاج مركبات جديدة نتيجة النشاط الميكروبي.
- تغيير النشاط المضاد للأكسدة في المنتج النهائي.
وتشير المراجعات العلمية إلى أن التخمير قد يزيد النشاط المضاد للأكسدة في بعض الأغذية النباتية من خلال تحرير المركبات الفينولية والفلافونويدات وتحويل بعض المكونات.
لكن هذا لا يعني أن التخمير يزيد مضادات الأكسدة دائمًا.
هل يصبح الملفوف البنفسجي أقوى بعد التخمير؟
لا توجد قاعدة علمية تقول إن مخمر الملفوف البنفسجي دائمًا أعلى في مضادات الأكسدة من الملفوف الطازج.
فقد وجدت دراسة أن التخمير غيّر تركيب الأنثوسيانينات وخفّض محتواها الإجمالي في ظروف الدراسة، كما كان النشاط المضاد للأكسدة المقاس في الملفوف الطازج أعلى من بعض المنتجات المخمرة والمخزنة والمطهوة.
وفي المقابل، أظهرت دراسة أخرى أن تخمير الملفوف الأحمر أدى إلى زيادة النشاط المضاد للأكسدة في الاختبارات المستخدمة، مع اختلاف النتائج بحسب نوع البكتيريا وطريقة ومدة التخمير.
لذلك تعتمد النتيجة على طريقة التخمير والظروف ومدة العملية وطريقة قياس النشاط المضاد للأكسدة.
كيف تعمل المركبات الموجودة في مخمر الملفوف كمضادات أكسدة؟
التقاط الجذور الحرة
يمكن لبعض المركبات الفينولية والأنثوسيانينات التفاعل مع الجزيئات الحرة والتبرع بإلكترون أو ذرة هيدروجين، مما يساعد على جعلها أكثر استقرارًا.
الحد من بعض التفاعلات المؤكسدة
بعض المركبات النباتية تستطيع الارتباط بأيونات معدنية معينة، مما قد يقلل مشاركتها في تفاعلات تنتج جزيئات شديدة التفاعل.
تحرير المركبات النباتية
يمكن للنشاط الميكروبي أثناء التخمير أن يفكك بعض الروابط الموجودة داخل الخلايا النباتية، مما يساعد على تحرير مركبات فينولية معينة أو تحويلها إلى أشكال مختلفة.
إنتاج مركبات جديدة
يمكن للكائنات الدقيقة خلال التخمير تحويل بعض مكونات الملفوف إلى مركبات أخرى، وبالتالي قد يتغير النشاط المضاد للأكسدة للمنتج النهائي.
ما دور الأنثوسيانينات؟
تُعد الأنثوسيانينات من أهم المركبات التي تجعل الملفوف البنفسجي مثيرًا للاهتمام من ناحية مضادات الأكسدة.
وقد أظهرت الدراسات أن هذه المركبات تتأثر بالتخمير والتخزين والحرارة والضوء والأكسجين ودرجة الحموضة.
لذلك قد تختلف كمية الأنثوسيانينات وشكلها ونشاطها من منتج إلى آخر بحسب ظروف التصنيع والحفظ.
هل يمتص الجسم مضادات الأكسدة الموجودة في مخمر الملفوف؟
هذه نقطة مهمة؛ فقياس النشاط المضاد للأكسدة في المختبر لا يعني بالضرورة حدوث التأثير نفسه داخل جسم الإنسان.
وأظهرت إحدى الدراسات البشرية أن تخمير الملفوف الأحمر غيّر أشكال الأنثوسيانينات التي ظهرت في الدم والبول، كما وجدت أن التوافر الحيوي لبعض الأنثوسيانينات والقدرة المضادة للأكسدة في البلازما اختلفت بين الملفوف الطازج والمخمر.
لذلك:
النشاط المضاد للأكسدة في الطعام لا يساوي بالضرورة التأثير المضاد للأكسدة داخل الجسم.
وهذا سبب إضافي لعدم تقديم مخمر الملفوف كعلاج للإجهاد التأكسدي.
ما الفرق بين الملفوف البنفسجي الطازج والمخمر؟
الملفوف البنفسجي الطازجمخمر الملفوف البنفسجيغني بالأنثوسيانينات والمركبات النباتيةيحتوي على مركبات الملفوف التي تغيرت خلال التخميرلا يمر بعملية تخميريخضع لنشاط ميكروبي أثناء التخميريحتفظ بتركيبته الأصلية بدرجة أكبرتحدث تغيرات في تركيب بعض المركباتلا يحتوي على مركبات ناتجة عن التخميرقد يحتوي على مركبات ناتجة عن التحول الميكروبي
ولا يعني ذلك أن أحدهما أفضل بشكل مطلق؛ فكلاهما يمكن أن يكون جزءًا من نظام غذائي متنوع.
هل يمكن اعتبار مخمر الملفوف مضاد أكسدة؟
يمكن القول إن مخمر الملفوف البنفسجي غذاء يحتوي على مركبات ذات نشاط مضاد للأكسدة، لكن وصفه بأنه «مضاد أكسدة» بالمعنى الدوائي قد يكون مضللًا.
الأدق أن نقول:
مخمر الملفوف البنفسجي مصدر غذائي لمركبات نباتية مرتبطة بالنشاط المضاد للأكسدة.
بدلًا من القول إنه يعالج الإجهاد التأكسدي.
كيف يمكن تناوله؟
يمكن إدخال مخمر الملفوف البنفسجي ضمن الوجبات اليومية وإضافته إلى:
- السلطات.
- الساندويتشات.
- أطباق البيض.
- الأرز والحبوب.
- أطباق المشويات.
- أطباق الخضار.
- الوجبات التي تحتوي على البقوليات.
وإذا كان المنتج غير مبستر، فمن الأفضل تجنب تسخينه بدرجات حرارة مرتفعة إذا كان الهدف المحافظة على الكائنات الدقيقة الحية المحتملة فيه.
كما ينبغي الانتباه إلى كمية الصوديوم الموجودة في المنتج، لأن الملح يدخل عادةً في عملية تخمير الخضراوات.
الخلاصة
ترتبط علاقة مخمر الملفوف البنفسجي بالأكسدة أساسًا باحتوائه على الأنثوسيانينات والبوليفينولات، وهي مركبات نباتية تمتلك نشاطًا مضادًا للأكسدة.
وخلال التخمير، يمكن أن تتحرر بعض المركبات أو تتحول إلى أشكال أخرى، وقد يرتفع أو ينخفض النشاط المضاد للأكسدة بحسب طريقة التخمير ومدته وظروفه.
لذلك لا يمكن القول إن مخمر الملفوف البنفسجي دائمًا أقوى من الملفوف الطازج كمضاد للأكسدة. والأدق اعتباره طعامًا نباتيًا مخمرًا يحتوي على مركبات مرتبطة بالنشاط المضاد للأكسدة، ويمكن إدخاله ضمن نظام غذائي متنوع ومتوازن، دون اعتباره علاجًا للإجهاد التأكسدي.
المصادر العلمية
- دراسة حول تغير الأنثوسيانينات والنشاط المضاد للأكسدة في الملفوف الأحمر أثناء التخمير والتخزين والطهي:
- PubMed – Anthocyanins and antioxidant activity in red cabbage
- مراجعة حول تأثير التخمير في النشاط المضاد للأكسدة في الأغذية النباتية:
- PubMed – Antioxidant activity of fermented plant foods
- دراسة حول أنثوسيانينات الملفوف الأحمر وخصائصها واستقرارها:
- PubMed – Red cabbage anthocyanins
- دراسة بشرية حول تأثير تخمير الملفوف الأحمر في التوافر الحيوي للأنثوسيانينات والنشاط المضاد للأكسدة:
- PubMed – Bioavailability of anthocyanins from fermented red cabbage